محمد خليل المرادي

172

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

الدهر . كان من محاسن أدباء دمشق ، مفنّنا كاملا . ولد بدمشق بعد الثمانين وألف ، ونشأ بها . وطلب العلم ، فقرأ على جماعة من شيوخ دمشق . منهم : العلّامة الشيخ عثمان الشمعة ، قرأ عليه مختصر المعاني والبيان ، وشرح الكافية للجامي . وأجاز له الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي ، وبرع في النحو والمعاني والبيان والأدب . ونظم الشعر الحسن والنثر البديع والخطّ المعجب . ورحل إلى الروم في سنة إحدى وثلاثين . وخدم سلطانها السلطان أحمد خان ، رحمه اللّه تعالى ، بقصيدة كلّ بيت بتاريخ ، حين بنى خزينته لكتب العلم ، وولي تولية مدرسة دار الحديث « 1 » ، الكائنة بدمشق . وبعده أخذها المولى محمد العمادي . وكانت سابقا على والده ، تولّاها لمّا مات العلّامة الشيخ عبد القادر الصفوري . وكان مدرّس المدرسة المذكورة ومتوليها . وصادف أنّه كان بالروم صحبة الأستاذ الكبير الشيخ محمد بن سليمان المغربي ، نزيل مكّة ، فوجّهت إليه . وترجم المترجم الشيخ سعيد السمّان في كتابه ، وقال في وصفه : بارع تشقّ فكرته جيوب الظلماء . ويشف طبعه كما يشف الزجاج عن رائق الماء . مدّ للكمالات ذراعا . فاقتعد من سمائه مرزما وذراعا . وطلع في أفق المحاسن نجما متّقدا . واستخلص جواهر الألفاظ منتقدا . فأبرزت أصداف رويّته درر المعاني . وتفتّحت كمائمها عن زهر الانسجام للمعاني . فما تخيّل معنى إلّا وأوى إليه . ولا أجرى قلما إلّا وتراكمت القوافي عليه . لم ينضب له ماء اقتضاب . ولم يصدّ لمخيلته إفرند قرضاب . قد جمع الظرف والرقّة . بلطف صيّر حبات القلوب رقّة . يألف السمر كما تألف الرياض بلبلها . والجوانح مبلبلها . فإذا نظم بهر . أو نثر فزهر على نهر . أو تكلّم استنكفت النحور عن جواهر البحور . إلى نسبة لا تطاول . وسؤدد لا يحاول . وفكاهة ترد الشبّ شبابا . وتسترق من ذوي النهى آراء وألبابا . ولمّا استقلّ بالوجاهة استقلالا . واكتمل بدره بعد ما كان هلالا . نزع للروم يدا . وورد عذبها مطّردا . فتأرّخت بأنفاس نظامه . واستهدت برفعته وإعظامه . وكان في نفسه حاجة فقضاها . واكتفى بها مسيرة وارتضاها . فخلص منها إلى عشّه . خلوص التبر من غشّه . وما تجهّم له محيّا ولا تنكّر . ولا ترنّق له صفو ولا تكدّر . حتى نقد عمره قبض . وفي بحبوحة العفو ربض . ففقدت بارّا يشفق . وعضدا لي ومرفق . ولي معه أنّات تفدى بالروح . وتهزأ بالروض المروح . طالما جاذبني بها أطراف النظم والنثر . وقرط سمعي منها بالثريا والنسر . وسأورد عليك ما تضم عليه الأضالع حسنا . وتعطّر بنشره شفاها ولسنا . انتهى مقاله .

--> ( 1 ) دار الحديث الأشرفية الجوانية بالعصرونية . بناها الملك الأشرف موسى الأيوبي سنة 632 ه .